يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )

144

جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ( ط . دار الفكر )

فإنهم لم يقلدوا ؟ فإن قال قلدت لأن كتاب اللّه جل وعز لا علم لي بتأويله ، وسنة رسوله لم أحصها ، والذي قلدته قد علم ذلك فقلدت من هو أعلم منى ، قيل له : أما العلماء ، إذا اجتمعوا على شيء من تأويل الكتاب أو حكاية سنة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أو اجتمع رأيهم على شيء فهو الحق لا شك فيه ، ولكن قد اختلفوا فيما قلدت فيه بعضهم دون بعض ، فما حجتك في تقليد بعض دون بعض وكلهم عالم ، ولعل الذي رغبت عن قوله أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه ، فإن قال قلدته لأنى علمت أنه صواب . قيل له علمت ذلك بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع فقد أبطل التقليد وطولب بما ادعاه من الدليل ، وإن قال قلدته لأنى أعلم منه ، قيل له فقلد كل من هو أعلم منك فإنك تجد من ذلك خلقا كثيرا ولا تخص من قلدته إذ علتك فيه أنه أعلم منك ، فإن قال قلدته لأنه أعلم الناس ، قيل له فهو إذا أعلم من الصحابة وكفى بقول مثل هذا قبحا ، وإن قال إنما أقلد بعض الصحابة ، قيل له فما حجتك في ترك من لم يقلد منهم ، ولعل من تركت قوله منهم أفضل ممن أخذت بقوله ، على أن القول لا يصح لفضل قائله وإنما يصح بدلالة الدليل عليه . وقد ذكر ابن مزين عن عيسى بن دينار عن ابن القاسم عن مالك قال : ليس كلما قال رجل قولا وإن كان له فضل يتبع عليه . يقول اللّه الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ فإن قال قصرى وقلة علمي يحملني على التقليد قيل له أما من قلد فيما ينزل به من أحكام شريعته عالما بما يتفق له على علمه فيصدر في ذلك عما يخبره به فمعذور لأنه قد أتى ما عليه وأدى ما لزمه فيما نزل به لجهله ولا بد له من تقليد عالمه فيما جهله لإجماع المسلمين أن المكفوف يقلد من يثق بخبره في القبلة لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك ، ولكن من كانت هذه حاله هل تجوز له الفتوى في شرائع دين اللّه فيحمل غيره على إباحة الفروج وإراقة الدماء واسترقاق الرقاب وإزالة الأملاك وتصييرها إلى غير من كانت في يديه بقول لا يعرف صحته ، ولا قام له الدليل عليه وهو مقر أن قائله يخطئ ويصيب ، وأن مخالفه في ذلك ربما كان المصيب فيما خالفه فيه ، فإن أجاز الفتوى لمن جهل